المبشر بن فاتك
258
مختار الحكم ومحاسن الكلم
يرجبنّ ذرعك بمقارفة صغير الخطأ فإن لكل عمل ضراوة ؛ ومتى تعوّد نفسك القليل تعدل بك إلى الكثير . وقال : لا تبطل عمرا في غير نفع ، ولا تضع لك مالا في غير حق ، ولا تصرف لك قوة في غباوة ، ولا تعدل لك رأيا في غير رشد . فعليك بالحفظ لما أتيت من ذلك والجد فيه وخاصة في العمر الذي كل شئ مستفاد سواه . فإن كان لا بد لك من شغل نفسك بلذّة فلتكن في محادثة العلماء ودرس الحكمة . وقال : إياك والكذب ، فإن الكذاب لا يكذب إلا من مهانة نفسه وسخافة رأيه وجهالة منه بعواقب مضرّة الكذب عليه . واعلم أن أقلّ ما ينزل بالكذاب إذا عرف به أن بقول فلا يصدّق وهو صادق ، ولا يحكم وهو عادل ، ولا يبرأ وهو نظيف . ثم يصير في البعد من بغيته والانحياد عن قصده بمنزلة من أراد الشرق فتوجّه إلى الغرب . وقال : اعلم أن سرعة ائتلاف قلوب الأبرار حين يلتقون كسرعة اختلاط ماء البحر بالمطر ، وبعد الفجرة من الائتلاف وإن طالت معاشرتهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتناقها . وقال أيضا في وصية للإسكندر : ليكن رأس ما تعمل به أن يعلم الناس أن معروفك لا يؤمل إليه إلا بمعونتك على الحق ، ويوطّن أهل الباطل ومن يفسد في الأرض أنفسهم منك على العقوبة الفادحة ، فإن بذلك يقوم ملكك وتعدّ حكيما . وقال : إذا اشتكت بك الأمور وعميت عليك فليكن مفزعك فيها إلى العلماء ، فإن غايات الفعل الذي يصلح عليه أمر « 1 » الوالي أن يكون عنده من الرأي ما يعلم به فضل العالم على الجاهل . ولعل رأيك أن يريك أن أحدا من الناس
--> ( 1 ) ب : الأمر .